الشيخ محمد هادي معرفة

182

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

إبراهيم عليه السلام أسكن هاجر وابنها عند مكان البيت المحرّم ؛ حيث بنى فيما بعد ، وقامت مكّة بجواره . وقد عبّرت التوراة بأنّهما كانا في بريّة فاران ، وفاران هي مكّة ، كما يعبّر عنها في العهد القديم . وهذا هو الحقّ في أنّ قصّة الذبح كان مسرحها بمكّة ومنى ، وفيها يذبح الحُجّاج ذبائحهم اليوم . وقد حرّف اليهود النصّ الأوّل وجعلوه « جبل المريا » ، وهو الذي تقع عليه مدينة أورشليم القديمة - مدينة القدس اليوم - ليتمّ لهم ما أرادوا ، فأبى الحقّ إلّا أن يظهر تحريفهم ! ! وقد ذكر ابن كثير : أنّ في بعض نسخ التوراة « بِكرك » « 1 » بدل « وحيدك » وهو أظهر في البطلان ، وأدلّ على التحريف ؛ إذ لم يكن إسحاق بِكرا للخليل بنصّ التوراة ، كما ذكرنا آنفا . الذبيح هو إسماعيل عليه السلام والحقّ أنّ الذبيح هو إسماعيل عليه السلام ، وهو الذي يدلّ عليه ظواهر الآيات القرآنيّة ، والآثار عن الصحابة والتابعين ، ومنها ما له حكم الرفع بتقرير النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم له . فلا عجب أن ذهب إليه جمهرة الصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم ، وأئمّة العلم والحديث ، منهم الصحابة النجباء ، والسادة العلماء : الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ، وسعيد ابن جبير ، ومجاهد ، والشعبيّ ، والحسن البصريّ ، ومحمّد بن كعب القرظيّ ، وسعيد بن المسيّب ، والإمام أبو جعفر محمّد الباقر عليه السلام ، وأبو صالح ، والربيع بن أنس ، وأبو عمرو ابن العلاء ، وأحمد بن حنبل وغيرهم ، وهو إحدى الروايتين ، وأقواهما عن ابن عبّاس . وفي زاد المعاد لابن القيّم : أنّه الصواب عند علماء الصحابة والتابعين فمن بعدهم . وهذا الرأي هو المشهور عند العرب قبل البعثة ، نقلوه بالتواتر جيلًا عن جيل ، وذكره اميّة بن أبي الصلت في شعر له . قال : ولا خلاف بين النسّابين أنّ عدنان من وِلْد إسماعيل عليه السلام ، وإسماعيل هو القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم . وأمّا القول بأنّه إسحاق فباطل من

--> ( 1 ) - . أوّل مولود يولد للشخص . راجع : تفسير ابن كثير ، ج 4 ، ص 14 .